قطب الدين الراوندي
343
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
إلى رمسه ، واحيائه فيه لسؤال القبر ، وبعثه للجزاء بعد الحشر والنشر . ثم حذر وأنذر وبالغ في الوعظ وزجر ، وقد كان أمر في الفصل الأول بالنظر والتفكر في حال نفسه وأمر هاهنا أن يتأمل في الخلقة . قال « أم هذا الذي أنشأه » أي فلينظر في ذاك . أم في هذا الذي خلقه اللَّه على سبيل الانشاء والابتداء في ظلمات ثلاث ، وحاله أنه كان أول مرة ماء دافقا ، ثم علقة . ثم أشار بكونه جنينا مضغة وعظما ولحما وصورة وحيا إلى أن تلده أمه . ثم يترعرع ( 1 ) ويصير عاقلا ، ثم إذا مأتم أمره لأسباب التكليف تغافل عما لأجله خلقه اللَّه وسعى لعاجل دنياه ، فمات غافلا . و « أم » هذه يجوز أن تكون متصلة ، وتقدير الكلام فيه على ما تقدم . ويجوز أن تكون منقطعة ، والتقدير بل أتغفلون عن هذا الذي أنشأه اللَّه ( 2 ) . وروى « أو هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام » فتكون الواو للعطف والهمزة للاستفهام على سبيل الجحد والتقريع . والشغف : الغلف . والجنين : الولد ما دام في بطن أمه . والدهاق : الممتلئ ، من أدهقت الماء ادهاقا أي فرغته افراغا شديدا ، وأدهقت الكأس ملأتها ، وكأس دهاق : ممتلئة ، ودهقت الشئ : كسرته وقطعته . و « النطفة » وان كانت مؤنثة فالمراد بها الماء المهين ، فذكره من حيث المعنى ومراعاة المعاني يستحسن جدا .
--> ( 1 ) رعرع بالرائين المهملتين يقال : ترعرع الصبي : نشأ وشب . ( 2 ) قال ابن أبي الحديد في الشرح 6 - 270 : أم هنا أما استفهامية على حقيقتها كأنه قال : أعظكم وأذكركم بحال الشيطان وأغوائه أم بحال الانسان منذ ابتداء وجوده إلى حين مماته ، واما أن تكون منقطعة بمعنى « بل » كأنه قال عادلا وتاركا لما وعظهم به : بل أتلو عليكم نبأ هذا الانسان الذي حاله كذا .